محمد متولي الشعراوي
10680
تفسير الشعراوي
قادمة في جو السماء فاستشرفوا لها وظنوها تخفف عنهم حرارة الشمس ، وتُروِّح عن نفوسهم ، فلما استظلُّوا بها ينتظرون الراحة والطمأنينة عاجلتهم بالنار تسقط عليهم كالمطر . على حَدِّ قوْل الشاعر : كَمَا أمطَرتْ يَوْماً ظماءً غمامةٌ . . . فلمَّا رَأؤْهَا أقشعَتْ وتجلَّتِ ويا ليت هذه السحابة أقشعت وتركتهم على حالهم ، إنما قذفتهم بالنار والحُمَم من فوقهم ، فزادتهم عذاباً على عذابهم . كما قال سبحانه في آية أخرى : { فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ } [ الأحقاف : 2425 ] . لذلك وصف الله عذاب هذا اليوم بأنه { إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [ الشعراء : 189 ] فما وَجْه عظمته وهو عذاب ؟ قالوا : لأنه جاء بعد استبشار واسترواح وأمل في الراحة ، ففاجأهم ما زادهم عذاباً ، وهذا ما نسميه « يأس بعد إطماع » وهو أنكَى في التعذيب وأشقّ على النفوس . قوله سبحانه : { إِنَّ فِي ذَلِكَ } [ الشعراء : 190 ] أي : فما حدثتكم به { لآيَةً } [ الشعراء : 190 ] يعني : عبرة ، وسُمِّيَتْ كذلك لأنها تعبر بصاحبها من حال إلى حال ، فإنْ كان مُكذباً آمن وصدق ، وإن كان معانداً لاَنَ للحق وأطاع . وما قصصتُه عليكم من مواكب الرسل وأقوامهم ، وهذا الموكب يضم سبعة من رسل الله مع أممهم : موسى ، وإبراهيم ، ونوح ، وهود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب عليهم جميعاً وعلى نبينا السلام ، وقد مضى هذا الموكب على سنة لله ثابتة لا تتخلف ، هي : أن ينصر الله عَزَّ وَجَلَّ رسله والمؤمنين معهم ، ويخذل الكافرين المكذِّبين . فلتأخذوا يا آل محمد من هذا الموكب عبرة { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً } [ الشعراء : 190 ] يعني عبرةً لكم ، وسُمِّيتْ عبرة ؛ لأنها تعبر